إكرام صعب
منذ بعد ظهر أمس، والملف القضائي الحساس المرتبط بجريمة انفجار مرفأ بيروت يعيش على وقع ما سُمّي «تسريبات»، فيما تحوّل بعضها، خلال ساعات، إلى مادة دسمة لعناوين إعلامية وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، وبُنيت عليها قصص وروايات، وأُطلقت أسماء ونُسبت مواقف ومضامين إلى محققين وقضاة ومطالعين على الملف، من دون أن نعرف أين تنتهي المعلومة وأين تبدأ الرواية.
المشكلة ليست في أن يتابع الإعلام ملفاً قضائياً بهذا الحجم والأهمية، بل في الطريقة التي تتم بها المتابعة. فالإعلام المهني لا يقوم على «قيل وقال»، ولا على مصادر مجهّلة تتكاثر كلما انتقلت الرواية من صفحة إلى أخرى، ولا على تحويل ما يُقال في الكواليس إلى وقائع ثابتة.
في قضية بحساسية انفجار المرفأ، حيث تنتظر عائلات الضحايا منذ سنوات معرفة الحقيقة والعدالة، تصبح المسؤولية الإعلامية أكبر، لا أصغر. كل اسم يُنشر، وكل اتهام يُرمى، وكل موقف يُنسب إلى قاضٍ أو محقق، يمكن أن تكون له تبعات قانونية ومهنية وإنسانية، ولا يجوز التعامل معه وكأنه مجرد «سبق» أو مادة لرفع التفاعل.
أما الصمت القضائي في مثل هذه الظروف، فهو ليس بالضرورة دليلاً على صحة ما يُنشر أو نفيه. قد يكون ببساطة الصمت الذي تفرضه طبيعة التحقيقات والملفات القضائية، واحترام أصول العمل القضائي، وعدم الدخول في سجال إعلامي حول ملف يفترض أن يُحسم داخل المؤسسات القضائية، لا على الشاشات وصفحات التواصل.
لكن ما حصل، أو ما نراه منذ الأمس، هو أن رقعة القلق اتسعت، وبدأت صفحات التواصل الاجتماعي ترمي التهم جزافاً، وتنسج القصص والروايات، وتبني استنتاجات على استنتاجات، حتى بات من الصعب أحياناً معرفة ما هو مستند إلى وثيقة، وما هو منقول عن مصدر، وما هو مجرد تحليل، وما قد يكون أصلاً من نسج الخيال.
أي زمن هذا الذي نحن فيه؟
زمن يصبح فيه «التسريب» خبراً، ثم يصبح الخبر رواية، ثم تتحول الرواية إلى «حقيقة» بمجرد أن تتكرر عشرات المرات؟
والأخطر أن بعض هذه الروايات قد تبدو وكأنها محاولة لاستدراج ردود من القضاة أو المعنيين بالملف. وهي، إن صح هذا الانطباع، أساليب لا تخدم العدالة ولا الإعلام، بل تدفع القضاء إلى ملعب لا ينبغي أن يُستدرج إليه، وتحوّل الرأي العام إلى طرف في معركة معلوماتية لا يعرف مصدرها ولا أهدافها.
القضاء ليس مطالباً بالرد على كل ما يُنشر، والإعلام ليس مخوّلاً باختراع الردود نيابة عن القضاء.
هناك فرق كبير بين كشف معلومة موثقة تهم الرأي العام وبين تركيب قصة حول معلومة غير مكتملة. وهناك فرق أكبر بين أن تقول «بحسب مصدر مطلع» وبين أن تنسب إلى قاضٍ أو محقق كلاماً أو موقفاً من دون أن تكون قادراً على إثباته.
في قضية انفجار المرفأ تحديداً، لا يحتاج اللبنانيون إلى مزيد من الضجيج. يحتاجون إلى الحقيقة.
والحقيقة لا تُبنى بالـ«تسريبات» المتداولة، ولا بالتحليلات الانفعالية، ولا بتوزيع الاتهامات على مواقع التواصل الاجتماعي. الحقيقة تُبنى بالوثائق، وبالأدلة، وبالإجراءات القضائية، وبإعلام يعرف أن السبق الحقيقي ليس أن تكون أول من يكتب الرواية، بل أن تكون أول من يتأكد من أنها صحيحة.
فلنترك القضاء يقوم بعمله، ولنسأل نحن كإعلاميين السؤال الأبسط والأصعب في آن: هل نملك معلومة موثقة؟ أم نملك فقط قصة تبدو قابلة للتصديق؟
لأن الفرق بين الاثنين، في ملف بحجم انفجار بيروت، ليس تفصيلاً مهنياً.
إنه الفرق بين الإعلام والمساحة المفتوحة للشائعات.
[email protected]
شريط الأخبار
- طرابلس شيعت زوجة النائب السابق الأحدب منى المنلا في مأتم مهيب
- الاتجار بالأشخاص: لبنان في المستوى الثاني
- المعهد العربي للمرأة يحتفي بكتاب سلوى نصار في LAU
- اكتشاف واعد لاستعادة البصر عبر تحفيز تجدد خلايا الشبكية
- بيروت تختتم عرسها الثقافي:عشرات آلاف الزوار و100 ندوة و500 توقيع و22 ألف طالب
- تحذير من ارتداء “الكروكس” لساعات طويلة.. إليك الأسباب
- اليوم التاسع لمعرض بيروت للكتاب الـ67: من مئوية غسان تويني إلى حماية الإرث الثقافي وانهيار الأصوليات
- جدارية تستحضر ذاكرة بيروت وتاريخ معرضها العربي الدولي للكتاب
