محاضرة للقائد البريطاني دايفيد رو
ماجدة داغر
احتضنت “فيلا عودة” محاضرةً فكرية وموسيقية فريدة بعنوان “فن القيادة الموسيقية” (The Art of the Conductor) من تنظيم المعهد الوطني العالي للموسيقى، بدعوة من المؤلفة الموسيقية هبة القواس. أمسية ثقافية استثنائية اتسمت بالعمق العلمي والرقيّ، وقّعها قائد الأوركسترا البريطاني- الأميركي العالمي المايسترو ديفيد رو (David Wroe). رو هو قامة موسيقية بارزة يشغل حالياً منصب المدير الفني لأوركسترا نيو جيرسي الفيلهارمونية، والمدير الموسيقي لفرقة The Irish Tenors وأوركسترا مانهاتن، والقائد الرئيسي في مهرجان “فينيسيا” الدولي للأصوات. ويحفل سجله المهني بالإنجازات الموسيقية أبرزها عمله لسنوات طويلة مساعداً تاريخياً للأسطورة سيجي أوزاوا أبرز قادة الأوركسترا في التاريخ. وكذلك قيادة كبرى الأوركسترات العالمية، كأوركسترا بوسطن السيمفونية، وسانت لويس، وكولومبوس، والأوركسترا الملكية الاسكتلندية الوطنية، وليل الوطنية، وبورترويكو، وبوسان، والعديد من الأوركسترات الأوبراوية والسيمفونية عبر أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. كما اقترن اسمه بتعاونات تاريخية مع عمالقة الموسيقى أمثال مستيسلاف روستستروبوفيتش، وإسحاق بيرلمان، وجيسي نورمان، إثر عمله لسنوات كمساعد تاريخي للمايسترو الراحل سيجي أوزاوا في تانغلوود. المايسترو رو، الحائز على زمالة أوزاوا وشهادتي البكالوريوس والماجستير من جامعتي مانشستر ونورث وسترن، يجمع في مسيرته بين الأكاديمية والتحكيم الدولي في مسابقات مرموقة كمجلس أوبرا المتروبوليتان، مما جعل من حضوره في بيروت حدثاً استثنائياً بكافة


المقاييس.
جاءت هذه المحاضرة قبيل الحفل الذي قاد فيه المايسترو رو الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية كضيف كبير لها، بمشاركة أسطورة الغيتار الإسباني خوسيه ماريا ديل راي، في سياق الحفلات المخصصة للاحتفاء بسنة 2026 ، سنة وليد غلمية.
افتتحت الدكتورة هبة القواس الأمسية بكلمة ترحيبية أضاءت فيها على سرّ القيادة الأوركسترالية، وأكدت القواس أن سحر القائد الحقيقي ينبع من عمق البروفات الأولى ومن التفاعل الحيّ والخلّاق مع العازفين، حيث يتبدل صوت الأوركسترا كلياً منذ اليومين الأولين للتدريب. وأشارت إلى غنى البرنامج الموسيقي الذي يجمع بين التعبيرية الصرحية في أعمال وليد غلمية، والتعقيد البنائي لدى سترافينسكي، وسحر “كونشيرتو أرانخويث” للغيتار بتوقيع خواكين رودريغو، بمشاركة عازف الغيتار العالمي خوسيه ماريا غاياردو ديل ري. وتجاوزت القواس البعد الموسيقي لتقدم رؤية فلسفية حول القيادة، متمنيةً أن تنتقل “عدوى الحكمة والحزم من منصة القائد إلى إدارة الشأن العام، فعندما يمتلك الفرد الرؤية والبصيرة للقيادة، فإن أفعاله وأصواته تسافر عبر الكون في تدفق سرمدي لا ينتهي”.
استهل المايسترو ديفيد رو المحاضرة بأسلوب يجمع بين الدعابة الذكية والتحليل العميق، موجهاً الشكر للدكتورة القواس ولصديقته باتريسيا شرفان التي قامت بالتواصل لتنسيق حفله في لبنان. وتطرّق المايسترو رو إلى الغموض الذي يكتنف مهنة القائد في أذهان الجمهور، مقارناً بين الصوت الجوهري المباشر لمغنية السوبرانو أو نغمات الغيتار الأندلسي الدافئة، وبين القائد الذي يقف صامتاً يحرك يديه في الهواء. ومن هذا المنطلق، حدد رو لوظيفته بُعدين رئيسيين متكاملين: “شرطي المرور” و”المفسّر الفني”. ففي البُعد الأول، وتفادياً للفوضى الناجمة عن المسافات الشاسعة بين العازفين في الأوركسترا الضخمة، يتولى القائد ضبط الإيقاع والتزامن البصري عبر لغة جسدية قائمة على هندسة الحركات في الفضاء (Drawing patterns in space)، فيرسم شكل “خطاف السمك” للإيقاع الثنائي، والمثلث للثلاثي، وإشارة الصليب للرباعي، وصولاً إلى الإيقاعات المركبة كالخماسي والسباعي. وأوضح مفهوم “الإكتوس” (The Ictus) بوصفه نقطة الارتكاز ودقة النبض الناتجة عن حركة ناعمة في الرسغ تماثل رمي السهم، والتي تتيح التحكم بالسرعة (Tempo) بصفتها الركيزة المعمارية للموسيقى في الزمن، وهو ما طبقه الجمهور عملياً بتفاعل حي عبر ترديد عبارة “أحب لبنان” على وقع إشاراته الحركية.
وفي البُعد الثاني المتعلق بالتفسير الفني، شدد المايسترو على أن الموسيقى لغة تعبيرية فردية، وأن الأوركسترا تتألف من نحو مئة فنان محترف قضوا عقوداً في صقل مهاراتهم ويمتلك كل منهم رؤيته الخاصة. لذا تكمن مهمة القائد في توحيد هذه الرؤى المتعددة وصهرها في رسالة نغمية واحدة من دون مجاهرة بالدكتاتورية. وأوضح رو أن نموذج “المايسترو المستبد” قد اندثر في العصر الحديث ليحل مكانه التفاعل التعاوني المرن الذي يشبه الرقص الثنائي البولروم، حيث يوجه القائد شريكته، الأوركسترا، بلمسات حركية رقيقة تتيح لها التألق والتعبير عن أفضل ما لديها. واختتم رو موضحاً فلسفته في إدارة البروفات، حيث يفضل الإجهاد والتدقيق الصارم في الأيام الأولى، ليقلل من الكلام والتدخلات كلما اقترب موعد الحفل، تاركاً النغمات تتخمر وتنساب بشكل عضوي وتلقائي عند لحظة المواجهة مع الجمهور، قبل أن يفتح الباب وألقى ضوءاً جديداً على أسرار العصا السحرية.
وفي ختام الأمسية الفريدة التي تجلت فيها أبهى صور الإبداع الإنساني، فتح المايسترو دايفيد رو الباب لنقاش شائق أثار الفضول الموسيقي والمعرفي لدى الحاضرين، حيث بادله الجمهور التفاعل بأسئلة ذكية ومتنوعة حول دقائق القيادة وأسرارها، لتُتوّج الجلسة بنقاش حيوي وتفاعل فكري عميق منح الحضور مفاتيح جديدة لتذوق الموسيقى السيمفونية وفهم الأسرار الخفية خلف حركة العصا. أثبت هذا اللقاء الاستثنائي، الذي نظّمه الكونسرفتوار في قلب العاصمة، أن الموسيقى تظل الجسر الأبدي للتواصل الإنساني واللغة الكونية التي تتجاوز الحدود، لتؤكد بيروت مجدداً أنها ستظل دائماً واحة للفن الراقي، ومنارة أبدية للفنون الرفيعة، ومرجعاً حيّاً للتعدّد والغنى والثقافة.
