نظم اتحاد الكُتّاب اللبنانيين حفلاً لتكريم السفير والشاعر علي ضاهر في مقر “جمعية التخصص والتوجيه العلمي” في بيروت (الجناح)، بمناسبة إصدار ديوانيه الشعريين “خدين العلى” و”لأنك المعنى… إليك الإياب” بحضور المطران إدوارد ضاهر، النائب غازي زعيتر، وشخصيات أكاديمية وشعرية وديبلوماسية وثقافية واجتماعية وإعلامية.

القى العميد شيّا كلمة اعتبر فيها أن “مبادرات تكريم المبدعين وهي في عز إنتاجها هي فعل استحقاق ووفاء، وحفز للمزيد من العطاء”، مؤكداً أن “تكريم السفير ضاهر هو تكريم لأنفسنا وللثقافة في وطننا”.
وقال شيّا: “إن الثقافة اليوم هي فعل مقاومة نتمسك ونقاوم بها ضد من يطمع باحتلال أرضنا وإرادتنا في الحياة، لنتشارك مع البشرية جمعاء الرغبة في السلام غير المنقوص”.
وأشار إلى أن “أجزاء كثيرة مما خطه يراع السفير ضاهر شكلت صرخة ضد الظلم والعدوان، ودفاعاً عن الإنسان المظلوم في غزة ولبنان والعالم”.
ولفت إلى أن “الديوانين يشكلان إضافة حقيقية إلى دنيا الثقافة والشعر، حيث يتجلى فيهما التعبير الصادق عن الذات وعمق المشاعر بعيداً من التكلف والتصنع”، مستشهداً بكلمات السفير ضاهر في تقديم ديوانه: “هذا الديوان هو أنا على الحقيقة لا مجازاً”.
ورأى أن “الشاعر جمع في نتاجه بين عاطفة الروح وعقل الفلسفة، فجاءت قصائده تعبيراً عن الوفاء والأبعاد الإنسانية والفلسفية والأخلاقية”، ختاماً بالقول: “إن الأدب الحقيقي هو أن تقال الكلمة حيث يجب أن تقال، وقد أبدع السفير ضاهر في سفره الشعري فكان الشاعر والإنسان في كل الأحيان”.
وألقى العميد أبو علي كلمة شارحاً فيها أن “سيرة المكرم تفضي بنا إلى معاينة رحلة من العصامية البيضاء التي أسهمت في بناء تلك الشخصية”، لافتاً إلى أن “حياته الوظيفية وسمت بتدرج معرفي، ألفها التعليم وياؤها الدبلوماسية، ومعراجها مئذنة فلسفية وحرف أنيق يترجم تلك المئذنة طقساً شعرياً عماده رؤية قائمة على جعل الشعر لسان حال الذات الفردية والاجتماعية في نسق يحترم قواعد اللسان العربي”.

أضاف أبو علي: “نحن أمام سفير جعل الشعر سفيراً مفوضاً إياه أن ينقل للمتلقي ما تختزنه الذاكرة وما يفيض به الوجدان من مشاعر ذاتية أو وطنية أو قومية أو إنسانية. والخط البياني لتلك السيرة يظهر أنه يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى حسن المواءمة بين الدبلوماسية والشعر”.
وتابع: “من سجايا الدبلوماسية لطف ووضوح الرؤية، وهما عنصران يقربان الدبلوماسية إلى الشعر، فلطف العبارة يستدعي انسيابية لغوية تبتعد عن حوشي الألفاظ وتنهل من معين الفصاحة، ووضوح الرؤية يعني الاعتماد على جمالية يقتضيها السياق وتناسب الغاية المرجوة”.
ولفت إلى أن “الشاعر من الذين يغلبون الفكرة على الصورة، من دون أن تبخس الصورة حقها شريطة عدم طغيانها على السياق، لأن وراء القصد رسالة يراد إبلاغها”، مؤكداً أن “السيرة الشخصية للسفير الشاعر تخبرنا أنه وجد في الشعر ملاذاً ومثابة طمأنينة استطاع من خلالها ولوج المعنى من الوجود”. وختم بقراءة نماذج مختارة من قصائد المكرم.
وألقى الشاعر المحامي مارون الماحولي كلمة اعتبر فيها أن “السفير علي ضاهر لم يحمل رسالة لبنان الدبلوماسية فحسب، بل حمل معها رسالة الكلمة والشعر والثقافة، فهو في الدبلوماسية سفير وطن، وفي الشعر سفير لغة”.
وأشار الماحولي إلى أن “الشعر هو ذاكرة العربية وبحرها الذي لم تنقطع أمواجه، واختيار الشاعر لهذا النهج هو وفاء للغة ولتراث صنع من القصيدة بيتاً للهوية والجمال”، مؤكداً أن “الدبلوماسية لا تنقل الكلمات وحدها، بل تنقل المشاعر والصور والذاكرة أيضاً”.
ولفت إلى أن “المناسبة تؤكد أن ما يجمع بين لبنان والمغرب أكبر من المسافات”، مشيداً بـ”شخص المكرم الذي جمع بين أناقة الموقف وأناقة القصيدة، وبين مسؤولية تمثيل الوطن وحرية التعبير عن جماله”. وختم الماحولي كلمته بإهداء قصيدة شعرية للسفير ضاهر بعنوان “تاج السماء على بسيط الشعر”.
وألقى العميد الحجار، من جهته، كلمة بعنوان “براعة الشاعر مِرآةٌ لبراعة الديبلوماسي”، توقف فيها عند مقولة السفير ضاهر بأن لا تناقض بين الديبلوماسية والشعر بل إنها متكاملان.
واستعرض الحجار تجارب شعراء ودبلوماسيين عالميين وعرب وصولاً إلى المكرم، مشيراً إلى أن “أثر الديبلوماسية يتجلى في قصائده من خلال توخي الدقة في المعنى، وأناقة التعبير، والجمع بين التصريح في المواقف الوطنية والوظيفية والتلميح الشفيف في القصائد الغزلية”.
وأشار إلى “حضور قيم العائلة والارتباط بالأمكنة وثقافات العالم في نتاج الشاعر، فضلاً عن حنينه الدائم إلى جذوره في بلدة العين ورأس بعلبك”، مؤكداً أن “الثقافة تعلو على المناصب، وأن الشاعر عاد إلى وطنه مدركاً أن لبنان هو المعنى وأن الشعر هو معنى المعنى”.
وألقى الدكتور نزال كلمة اعتبر فيها أن “هذا التكريم استوى على عود ثقافي محمود لشخصية جمعت بين الدبلوماسية والعصامية والفكر”، مشيراً إلى أن “السفير ضاهر يمثل رغيف العنفوان وقافية الألق، وأن قلقه الإبداعي يتحول دائماً إلى صيغ شعرية أنيقة تشبه ثوبه وموقفه”.
وأكد نزال “الالتزام بالرؤية الوطنية والعروبية التي تجسدت في شعر المكرم، والقائمة على استثمار الإنسان وبناء وعيه ليكون خط الدفاع الأول عن الوطن”، مشدداً على أن “الثقافة ستظل الوجه المنيع المشرق الذي لا تغالبه الماديات”. واختتم نزال كلمته بمنح السفير علي ضاهر وساماً تقديرياً باسم اتحاد الكُتّاب اللبنانيين.
وألقى المحتفى به، من جهته، كلمة استهلها بأبيات شعرية ومقدمة وجّه فيها الشكر والامتنان للحضور والجهات المنظمة والمحاضرين، مستشهداً ببيتي الجواهري في مدح الرصافي ليؤكد تقديره الجليل لمبادرة تكريمه في حياته وعز عطائه قبل رحيله.
وتطرق ضاهر إلى تجربيته الممتدة لأكثر من أربعين عاماً في التعليم والسلك الديبلوماسي، مؤكداً أنه “لم يشعر يوماً بأي تصادم بين التجربتين، بل إن تدريس الفلسفة رفده بالمنهج الرصين والتفكير النقدي ولجم الانفعال احترام الاختلاف، مما انعكس إيجاباً على ممارسته للوظيفة الدبلوماسية ونسج العلاقات الدولية”.
وأوضح ضاهر أن “انتقاله إلى السلك الدبلوماسي كان تلبية لنداء داخلي يرفض الاستكانة لظروف الجغرافيا وتكرار المادة التعليمية”، لافتاً إلى أنه “اتخذ من مبدأ الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار القائم على التحدي ورفض المسلمات المسلم بها حافزاً للتطوير والتقدم”. وختم مؤكداً أن “تقاعده من الوظيفية العامة ليس إلا بداية لصفحة جديدة ومشرعة يعود فيها كلياً إلى معينه الأول: الشعر والفكر والثقافة”.
واختُتم الاحتفال بتقديم درع تكريمي إلى السفير ضاهر تقديراً لمسيرته الفكرية والدبلوماسية الحافلة بالعطاء.
تخللت الحفل كلمات وقراءات نقدية تناولت التجربة الأدبية والسيرة الفكرية للمكرم، لكل من العميد الدكتور محمد شيّا، العميد الدكتور محمد توفيق أبو علي، الشاعر المحامي مارون الماحولي، العميد الشاعر مجدي الحجار، ورئيس اتحاد الكُتّاب اللبنانيين الدكتور أحمد نزال، إلى جانب كلمة المكرم السفير علي ضاهر.
