زهيدة درويش جبور
يقدم الدكتور خالد زيادة في كتابه “عقد الستينيات الفريد” عرضاً مفصلاً لأهم التحولات التي شهدتها تلك المرحلة، سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي أو العمراني في مدينته طرابلس بدايةً مروراً بلبنان، والمنطقة العربية، وصولاً إلى العالم. وكل ذلك من منظور ذاكرة شاب يافع، نضج قبل أوانه ربما، إذ نجده وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره قارئاً نهماً للصحف ولكتب الفلسفة والتاريخ، مطلعاً على الآداب العالمية، منخرطاً في النشاط الحزبي، وتحديداً في حركة القوميين العرب، بتأثير ربما من أخيه الأكبر معن، مهتمًا بإبداعات كبار الرسامين في العالم يحثه على ذلك شغفه بفن الرسم الذي اكتفى بممارسته هواية. لكن ما يختزنه وعي ذلك الشاب وما تحفظه ذاكرته يستكمله المؤرخ بما توفّر لديه من معلومات استقاها من مصادر متعددة تسنى له الإطلاع عليها بحكم مسيرته البحثية وموقعه كسفير للبنان في جامعة الدول العربية، في القاهرة التي تغتني مكتباتها بإرث صحفي ووثائقي كبير.
فالكتاب ليس إذن مجرد سيرة ذاتية، وإن كان للذات موقع المركز فيه، بل يقع على حدود أنواع عدة من فنون الكتابة: التأريخ والتوثيق وعلم العمران وعلم الاجتماع. ما يحملني على وصفه بالكتابة المتشظية، نظراً لتنوع موضوعاته، من جهة، ولأن الزمن لا يتطوّر فيه على خط مستقيم ولا ينحصر في عقد الستينيات كما يعلن العنوان، من جهة ثانية. ففي عودة إلى الوراء يستحضر الكاتب الحقبة العثمانية في مراحلها الأخيرة، ثم مرحلة الإنتداب، وبداية دولة الإستقلال.
لا تقتصر أهمية الكتاب على ما يختزنه من معلومات عن الحياة الثقافية والسياسية في مدينة طرابلس، وعن التحولات العمرانية التي شهدتها منذ نهاية الخمسينيات وخلال الستينيات وانعكاساتها الاجتماعية، ولا على استعراضه لأهم الأحداث على الساحتين العربية (إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، حرب حزيران 1967، الإنقلابات المتتالية في سوريا وصولاً إلى استيلاء حافظ الأسد على السلطة)، والعالمية (الهبوط على سطح القمر، الثورة الطلابية في فرنسا سنة 1968، التطور الكبير للإنتاج السينمائي…)، فهو فضلاً عن كل ذلك، يحثنا على تعميق السؤال حول قضايا لا تزال راهناً تطرح نفسها بإلحاح.
في معرض استعراضه لمرحلة الاستقلال ونشوء الدول يرى خالد زيادة أن الذين تولوا مسؤولية الحكم في ذلك الوقت كانت تحركهم نوايا طيبة، وكانت لديهم رؤيا للنهوض ببلدانهم وبناء دولهم. ويشير إلى زيارة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبه إلى لبنان في آذار 1965 حيث أعلن في محاضرة شهيرة ألقاها في بيروت، في سينما الكابيتول، عن موقف من القضية الفلسطينية أثار موجة عارمة من الغضب والاحتجاج.
ولعله من المفيد اليوم أن نذكِّر بما تضمنه هذا الخطاب. إنها دعوة إلى اعتماد “سياسة المراحل” بدل سياسة “الكل أو لا شيء”، وذلك انطلاقاً من رؤيا واقعية وبراغماتية استندت إلى التجربة التونسية في تحقيق الاستقلال. فقد رأى بورقيبه أن العرب أخطأوا حين رفضوا الحلول الجزئية، وخصوصا مشروع تقسيم فلسطين، وانتقد الخطاب الحماسي غير المبني على ميزان القوى، ودعا إلى معرفة قوة الخصم وقوة العرب وتجنب الدخول في معركة لا تتوفر لها أسباب النجاح، واعتبر أن القائد قد يضطر إلى سلوك طريق غير مباشر أو قبول حلّ مؤقت دون أن يعني ذلك التخلي عن الهدف النهائي، وذلك اعتمادًا على مبدأ “خذ وطالب”.
بطبيعة الحال كان هذا الموقف العقلاني متناقضًا مع الخطاب الجماهيري الذي اعتاد عليه جمهورعربي يعيش على الشعارات وتحركه العواطف القومية والمشاعر الثورية، في وقتٍ كان جمال عبد الناصر بما يتمتع به من كاريزما قد أصبح رمزًا للثورة ولمناهضة الاستعمار. غير أن هزيمة حزيران 1967 لم تتأخر، كاشفة عن خطأ في الحسابات وعن الإفتقار لرؤيا واضحة وواقعية. كان عبد الناصر قائدًا حالمًا، لكن الإنتصارات لا تحققها الأمنيات … فهل استفدنا من دروس الماضي؟…
هذه الوقائع تدفعنا إلى استنتاج أن ما نحتاجه في مجتمعاتنا هو بناء الوعي على أسس علمية منطقية واضحة تمكّن من مقاربة موضوعية للواقع. وذلك لا يتم إلا من خلال تغيير الذهنيات باعتماد مناهج تربوية وجامعية تساعد على بناء مواطن يتمتع بالتفكير النقدي والوعي السياسي اللازم الذي يمكِّنه من تكوين موقف مستقل من التيارات السياسية والأحزاب العقائدية ومن سياسات الحكام التي في ما يخصّ القضية الفلسطينية تحديدًا لم تؤدِ، للأسف، خلال ما يناهز الثمانين عامًا إلا إلى الفشل.
من ناحية أخرى، في معرض استعراضه للتحولات العمرانية في مدينة طرابلس نهاية الخمسينيات وخلال الستينيات، يلاحظ خالد زيادة أن موجة التحديث ترافقت مع حركة هدم واسعة. والمثال الأسطع على ذلك هو التشويه الذي نتج عن مشروع نهر أبوعلي إثر طوفان النهر سنة 1956. فقد هُدمت المباني والبيوت المحيطة بمجراه الذي سُقف ليتحوّل فيما بعد لمكب للنفايات!!! تزامنًا شهدت المدينة القديمة حركة انتقال لسكانها الذين اجتذبتهم المباني الحديثة في الشوارع التي وسّعت جغرافيا المدينة واستقطبت القادمين من الجوار. نتج عن ذلك تغيير في النسيج الاجتماعي، من جهة، وإهمال للمدينة القديمة التي استعاضت عن سكانها الأصليين بمقيمين جدد معظمهم من الفقراء، من جهة أخرى. في خضم عملية التحديث هذه، فقدت الأبنية التراثية جاذبيتها، وسقطت ضحية الإهمال ولا يزال بعضها مهدّدًا بالإنهيار.
يحملنا ذلك على استنتاج أن التحديث تُرجم إلى قطيعة مع الماضي، وأن ثنائية الأصالة والحداثة كانت – ولا تزال- تتحكم بالأذهان والممارسات. غنيّ عن القول أننا استوردنا -ولا نزال- منجزات الحداثة الغربية دون أن ندرك أنها نتيجة متغيرات كثيرة في الفكر والسياسة والاجتماع حدثت في الغرب منذ عصر النهضة وصولاً إلى الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. وها نحن اليوم نواجه تحديات الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، بالذهنية نفسها التي تتراوح بين الإنبهار والإقبال الأعمى أو التوجس والخوف. على الرغم من ذلك تزخر بلداننا بالطاقات الشابة التي تتمتع بالعلم والكفاءة وبحرية الفكر وإرادة البناء والتغيير، والتي يمكنها النهوض بمجتمعاتها شرط أن يفسح لها المجال، عوض عن تهجيرها وتصديرها إلى بلدان العالم حيث تحقق العديد من الإنجازات، والأمثلة على ذلك عديدة.
في المحصلة، عقد الستينيات الفريد شكّل مرحلةً مفصلية في التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي في العالم العربي، نجح الدكتور خالد زياده في تقديمها للقارىء بلغة سلسة وأسلوب شيّق في كتابٍ متشعبِ وغني بالمعلومات.
المصدر اللواء
