لم تكن القهوة يومًا مجرّد فنجان أرتشفه في الصباح. كانت طقسًا صغيرًا من طقوس أُخرى ترمّم يومي، وترافق كتابة الخبر ،مساحة هادئة ألتقي فيها بنفسي قبل أن يبدأ كل شيء. ومنذ سنوات، ارتبط هذا الطقس بمكان واحد منذ مدة “محمصة الرفاعي”
هناك، وعلى بعد خطوات مني كنت أشتري قهوتي، وهناك تعلّمت أن للرائحة ذاكرة، وأن للطعم حكاية.
كنت أعرف الطريق إلى المحمصة كما أعرف تفاصيل يومي. أختار البنّ بعناية، أراقب عملية الطحن، وأحمل الكيس الدافئ كأنني أحمل شيئًا أثمن من مجرد قهوة.أحمل رائحة ذكية من لبنان ومن بيروت التي أُحب وانقلها معي الى البيت، كانت البداية دائمًا واحدة .. صوت الغليان الخفيف، الرائحة التي تنتشر ببطء، ثم أول رشفة… لحظة صفاء لا تشبه شيئًا آخر.
كل هذا تغيّر.
في ذلك اليوم( الاربعاء الأسود) ، لم يكن الصوت عاديًا. دوّي الغارة التي سقطت على بُعد أمتار، نحو 500 متر فقط عني ، شقّ الصمت الذي كنت أظنه مألوفًا. منذ تلك اللحظة، لم يعد الصوت يمرّ، بل بقي في الذاكرة، في الجدران، استبدل رائحة القهوة برائحة الموت وظل في كل تفصيل ظننته يومًا بسيطًا.
لم يعد الطريق كما كان، ولم تعد المحمصة كما عرفتها. المكان الذي كان مليئًا بالحياة،والحلوى و بالحركة، بالروائح التي تسبق الكلام، صار مرتبطًا بشيء آخر. كأن القهوة نفسها انكسرت، أو كأن جزءًا منها ضاع هناك.
اليوم، حين أحاول أن أعدّ فنجاني، أشعر أن الطعم تغيّر. ليس لأن البنّ اختلف، بل لأنني أنا تغيّرت. لأن الرائحة التي كانت تطمئنني، صارت تحمل ظلًّا ثقيلاً. لم تعد فقط رائحة قهوة… صارت تختلط بشعور لا يمكن تجاهله.
حتى التفاصيل الصغيرة لم تسلم ،الركوة.. التي كانت رفيقة هذه العادة اليومية، لم تعد موجودة كما كانت. وكأنها لم تكن مجرد أداة، بل جزء من الذاكرة نفسها. معها، اختفى إيقاع مألوف، واختفت لحظات كنت أظنها عادية، لكنها كانت تشكّل يومي دون أن أنتبه.
أحاول أن أستعيد ما كان. أعدّ القهوة بالطريقة نفسها، أختار الوقت نفسه، أجلس في المكان نفسه. لكن شيئًا ما ينقص. تلك البساطة التي كانت تمنحني راحة لم تعد كما هي ناهيك عن الأخبار الأكثر تصعيداً
ورغم ذلك، لا أتوقّف.
ما زلت أعدّ قهوتي كل يوم، ربما ليس لأن الطعم هو نفسه، بل لأن الذكرى ما زالت حيّة. لأن في كل فنجان محاولة صغيرة للتمسّك بما تبقّى. محاولة لأن أقول إن الأشياء التي أحببناها لا تختفي تمامًا، حتى لو تغيّرت.
قد لا تعود القهوة كما كانت. لكن ذلك الصوت… ما زال هناك.
وبيروت ما رالت تنفض غبار الموت عنها ويقيني انها ستعود هي أيضاً
وكل فنجان، بطريقة ما، يمرّ من خلالها لتبقى قهوة بيروت أقوى من أي دمار
