ليتها كانت كذبة. عبارة تختصر كل ما يمكن قوله في مواجهة واقعٍ لم يعد يحتمل التجميل أو التخفيف. ما يحدث في لبنان اليوم يتجاوز كونه أزمة عابرة أو مرحلة صعبة؛ نحن أمام مسار طويل من الاستنزاف، يُقضم فيه البلد قطعةً قطعة، فيما يقف أبناؤه شهودًا على تآكل وطنهم، عاجزين عن تغيير المسار.
خسارة الأرض ليست تفصيلًا سياسيًا ولا بندًا في نشرات الأخبار. هي الضربة الأكثر قسوة، لأنها تمسّ جوهر الانتماء. كل شبر يُنتزع، كل منطقة تُفرغ من أهلها أو تُدفع نحو المجهول، هو اقتلاع مباشر من الذاكرة الجماعية. الأرض هنا ليست مجرد حدود، بل تاريخٌ متراكم، ووجودٌ متجذر، ومعنى لا يمكن تعويضه. لذلك، فإن الألم الناتج عن خسارتها لا يُقاس بالأرقام، بل بما يتركه من فراغ في النفوس.
في موازاة ذلك، تتجلّى غطرسة التفرد بمصير بلدٍ كامل. قرارات كبرى تُرسم، وقوى تفرض وقائع جديدة، ولبنان يبدو كأنه خارج المعادلة، أو كأن وجوده تفصيل يمكن تجاوزه. هذه الغطرسة لا تُغتفر، لأنها لا تكتفي بتغيير الوقائع على الأرض، بل تكرّس شعورًا عميقًا بأن هذا البلد متروك، بلا حماية فعلية، وبلا قدرة على فرض حدوده أو صون سيادته.
لكن ما يجعل الصورة أكثر قتامة هو هذا العجز الداخلي. ليس عجزًا لحظيًا، بل حالة مزمنة. أن يدرك الناس حجم الخطر، وأن يعيشوا تداعياته يوميًا، من دون أن يملكوا أدوات المواجهة، هو بحد ذاته شكل آخر من أشكال الاستنزاف. هنا، لا يعود الألم ناتجًا فقط عمّا يحدث، بل أيضًا عن الإحساس المستمر بأن لا أحد قادر على إيقافه.
تنعكس هذه الحالة على تفاصيل الحياة اليومية. في البيوت، قلق دائم لا يحتاج إلى سبب مباشر. في الشوارع، وجوه متعبة تحمل أكثر مما تقول. في الأحاديث، حضور دائم للخوف، حتى عندما لا يُذكر صراحة. لم يعد الناس ينتظرون حلولًا كبرى أو تحولات جذرية، بل باتوا يبحثون عن الحد الأدنى: يوم يمرّ بهدوء، خبر لا يحمل تهديدًا، وإحساس عابر بالأمان.
لبنان اليوم لا ينهار دفعة واحدة، بل يتآكل تدريجيًا. الخسارات تتراكم: أرض تُفقد، ثقة تتراجع، أمان يتلاشى، وأمل ينكمش. هذا التراكم هو الأخطر، لأنه لا يترك لحظة صادمة واحدة، بل يخلق واقعًا جديدًا يُفرض ببطء، حتى يصبح اعتياديًا، وحتى يعتاد الناس ما لم يكن يومًا مقبولًا.
ليتها كانت كذبة. لأن الكذبة، مهما كانت قاسية، تنتهي. أما هذا الواقع، فيستمر، يتكرر، ويعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، لكنه يحمل الجوهر ذاته: بلد يُستنزف، وشعب يُطلب منه أن يتكيّف مع الخسارة. وبين هذا وذاك، يمضي العالم كأن شيئًا لا يحدث، فيما يبقى اللبناني وحده في مواجهة هذا الثقل، يحاول أن يتمسّك بما تبقّى، ولو كان قليلًا
