قصة إسقاط الطائرة الليبية فوق سيناء في عام 1973.. بقلم د عبدالرزاق فرج بن حليم

في مثل هذه الأيام من شهر شباط فبراير ( 21 فبراير من عام 1973) قامت طائرات إسرائيلية بإسقاط طائرة الخطوط الجوية الليبية في رحلتها التي أقلعت من طرابلس متجهة إلى القاهرة ، وكان على متنها 113 شخصاً من جنسيات عربية مختلفة ، مع أفراد طاقم من الفرنسيين بأستثناء مساعد قائد الطائرة الذي كان ليبيا ، وهو المهدي عياد ومضيفة لبنانية أسمها كارولين كرم ) ، لم ينج منهم سوى خمسة أشخاص ولقي 108 مصرعهم في هذا الحادث الأليم .
فقد فوجىء قائد الطائرة الفرنسي جاك بورجيه بطائرات الفانتوم الإسرائيلية التي قامت بضرب خزانات الوقود للطائرة الليبية بأوامر من دايفيد إليعازار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أنذاك ، لتسقط الطائرة على أرض شبه جزيرة سيناء التي كانت تحت الاحتلال الصهيوني أنذاك ، وزعمت إسرائيل أن الطائرة كانت تحمل أجهزة تصوير فوق منطقة عسكرية ، وأن الطائرات الإسرائيلية حذرت الطيار الذي لم يستجب لها فأسقطت الطائرة ، ورغم ثبوت كذب الإدعاء بعد ذلك إلا أن الدعاوى التي رفعت للمطالبة بالتعويض لأسر الضحايا كان مصيرها الرفض.
وتم نقل الناجيين الخمسة من الكارثة إلى مستشفى بئر السبع الإسرائيلي وبعد أيام نقلهم الصليب الأحمر الى مصر وهم : المهدي عياد ، ليبي وهو مساعد الطيار ، فتحي جاب الله الكومي – ليبي ، أسد شاكر الترهوني – ليبي ، عبدالله الخليلي – أردني ، فيصل الشريعي – مصري .
وبعد 15 يوم من الحادثة أي في شهر آذار مارس من عام 1973 توفي أبوبكر الحجاجي – ليبي ودفن خارج مقبرة شهداء الطائرة .
وكان على متن الطائرة المنكوبة عدد من الشخصيات المعروفة مثل : وزير الخارجية الليبي السابق صالح بويصير ، والمذيعة المصرية سلوى حجازي والمخرج التلفزيوني المصري عواد مصطفى .


إسقاط الطائرة
قامت الطائرات الإسرائيلية بالتشويش على الأجهزة الملاحية للطائرة المدنية وأجبرتها على تغيير خط سيرها بإطلاق النار عليها واقتادتها إلى موقع فوق شبه جزيرة سيناء وأطلقت عليها صواريخها ، فإنفجرت الطائرة ، وقتل معظم ركابها وقد اعترفت إسرائيل بالواقعة فى مؤتمر صحفي ، وكان هذا مخالفا لمبادئ القانون الدولي لقتلها ركابا مدنيين أبرياء ، ومخالفة للإتفاقية الدولية التي تحرم تغيير مسار الطائرات بالقوة أو الاستيلاء عليها ويعد هذا من أعمال الإرهاب.
شهادة أحد الناجين عن الدقائق الأخيرة
وقال أحد الناجين من الحادث فتحي جاب الله الكومي أن قائد الطائرة رفض طلب الطائرة المقاتلة الإسرائيلية بالنزول في قاعدة إسرائيلية ، وقال أن صالح بويصير وزير الخارجية والإعلام السابق في ليبيا أنذاك ذهب لمقصورة القيادة وعرف بأن الطائرات المقاتلة أسرائيلية ، ووسط ذعر الركاب وقف أمامهم وقال :” يا أخوان أننا نتعرض لعدوان من طائرات صهيونية إن عشنا فنحن سعداء وأن متنا فأننا شهداء ، وتلا بضع آيات من القرآن الكريم وطلب من الجميع قراءة شيء من القرآن والإستعداد للشهادة ” وكانت هذه آخر الكلمات قبل سقوط الطائرة المنكوبة .
وأضاف الناجي الكومي بأنه رفض مقابلة موشي دايان أثناء زيارته للمصابين في مستشفى بئر سبع ، ورفض أجراء لقاء مع التلفزيون الإسرائيلي ، ووافق على أجراء مقابلة مع التلفزيونين الإنكليزي والألماني . وشكر العديد من الفلسطينيين الذين زاروا المصابين في المستشفى أنذاك قبل نقلهم بمروحية إلى الحدود المصرية عن طريق الصليب الأحمر . وكان الكومي أقل المصابين خطورة حيث تعرض لكسور ورضوض خفيفة ، وبقي في مستشفى المعادي المصري لمدة أسبوع تلقى فيه العلاج هو وزملاؤه وزارهم حينها المشير أحمد أسماعيل ، ثم عاد إلى ليبيا .


من هو صالح بويصير ؟
صالح مسعود بويصير مواليد بنغازي في عام 1925 تلقى تعليمه في مدارسها أثناء الحكم الإيطالي واحتلال ليبيا ، التحق بالأزهر الشريف من عام 1937م وحتى عام 1946 ، أشترك في جميع الهيئات الليبية السرية التي أسسها الطلبة الليبيون في مصر حينها ، وكان لها دورها الفعال في فضح ما ارتكبه الفاشيون من ضروب التنكيل بالليبيين المجاهدين.
عاد بويصير إلى بنغازي في عام 1947 حيث عمل في جريدة “برقة الجديدة” ومن ثم رئيساً لتحريرها وليصدر بعد ذلك مجلة الفجر الليبي وجريدة الدفاع.
أنتخب بعد الاستقلال عضواً في مجلس النواب الليبي ووكيلاً للمجلس. قاد المعارضة البرلمانية في المجلس وكان ضد توقيع المعاهدات مع فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، غادر بويصير ليبيا بعد أن ضيقت عليه السلطات الحاكمة الخناق وحاصرت قوات من الشرطة منزله في طرابلس تمهيداً لاعتقاله في تموز يوليوعام 1955 وبعد أن رفعت عنه الحصانة البرلمانية، توجه متخفياً إلى تونس ومنها إلى القاهرة، وقد قامت السلطات الحاكمة بفرض الحراسة على أمواله .
قضى بويصير في القاهرة الفترة بين تموز يوليو 1955م وايلول سبتمبر عام 1969وأثناءها حصل على درجة الماجستير في التاريخ وكان عنوان رسالته “جهاد شعب فلسطين” .
كان بويصير أول الذين ساندوا حركة فتح، كما ساند جميع الحركات التحررية في شتى الأقطار العربية ، وكان بيته قبلة لكل قادة التحرر العربي من الرئيس الفلسطيني الراحل أبو عمار والرئيس الراحل هواري بومدين والرئيس الراحل أحمد بن بله ، كما شكل لجنة للدفاع عن فلسطين، وأنشأ اللجنة الإسلامية في مصر في عام 1968 وكان هدفها تبني الطلبة الفلسطينيين الدارسين بعد هزيمة عام 1967.
وعاد إلى ليبيا في عام 1969 ثم تبوأ منصب وزير الوحدة والخارجية في أول وزارة لها ثم وزيراً للإعلام .
وفي عام 1972 ترك الوزارة ليخوض انتخابات المجلس الاتحادي وفاز عن دائرة توكره بنجاح ساحق، وأنتخب عضواً في مجلس الأمة الاتحادي في بنغازي واختير رئيساً للجنة الشؤون الخارجية في المجلس .وأستشهد يوم 21/فبراير عام 1973 في حادث الطائرة المشؤوم وشيع مع رفاقه في جنازة مهيبة ودفن في مقبرة الشهداء في بنغازي .
من هي الاعلامية سلوى حجازي ؟
ومن بين ضحايا الطائرة الليبية كانت المذيعة التليفزيونية سلوى حجازي ، التي قدمت عددا من البرامج التلفزيونية، ومثلت التلفزيون العربي في عدد من المؤتمرات الدولية. ولدت في القاهرة في عام 1933. وكانت من أوائل الخريجين في المعهد العالي للنقد الفني. وعملت في التلفزيون في عام 1960 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر .
اللغز .. ماهو سبب إسقاط الطائرة ؟
يعتقد الكثير من المتابعين لقضية الطائرة أن سبب تعقب الطائرة هو اعتقاد الموساد بوجود الجاسوسة الإسرائيلية المصرية الجنسية التي كانت تحمل اسم هبه سليم على متنها ، هذه الجاسوسة التي بكت عليها غولدا مائير – وتلقى فيها الموساد ضربة قاسية ، والتي تم تجسيدها في فيلم ” الصعود الى الهاوية ” تحت أسم عبلة كامل ، (أحتوى الفيلم على الكثير من الأخطاء والمغالطات غير الحقيقية) ، وهذه الجاسوسة تم القبض عليها في مطار طرابلس في نفس شهر شباط فبراير 1973 ، بالتنسيق بين جهازي المخابرات المصرية والليبية في عملية غاية في السرية نظراً لخطورتها وأهميتها في المعلومات التي كانت بحوزتها والتي سببت خسائر عسكرية كبيرة في الجيش المصري .
*أكاديمي وإعلامي ليبي

لمشاركة العنوان:

تعليقات الفيسبوك